سورية النووية .. وداعاً للحرب شرق الجولان

باسم الشيحاوي

قد يظن البعض أن العنوان يهدف للتشويق و الإثارة أو أني سألجأ للتأويل و الشطحات الخيالية, لكن الأمر ليس كذلك, فالقيادة السورية تعد العدة بالفعل لطرح مشروع إنشاء محطة نووية لتوليد الطاقة الكهربائية في ناحية مسكنة على بعد حوالي 90كم من مدينة حلب و بكلفة تقديرية تصل إلى خمسة مليارات دولار حسب الخارطة الاستثمارية التي أنجزتها مؤخراً الهيئات الحكومية المختصة.
إذاً و في حين يسهر الخلق جراء الأحداث الحالية و يختصمون حول قراءتها تبدو دمشق مشغولة البال بأمور تتجاوز اللحظة الآنية بأشواط.
و هنا يأتي دور السؤالين الأهم كما يصفهما أساتذة الإعلام و منظريه أي: كيف و لماذا؟
لا تبدو الإجابة على هذين السؤالين ممكنة دون إعادة ترتيب أجزاء المشهد المبعثرة إثر أكبر زلزال تشهده المنطقة منذ أمد بعيد.
و على الرغم من أنه يتخامد في نقطة المركز إلا أن موجاته الارتدادية ما زالت تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية على الاتجاهات كافة.
وحده الرئيس بشار الأسد و هو المستهدف الرئيس من كل ما جرى, لما يمثله من رمزية,امتلك البصيرة النافذة عندما راح يحذر خصومه من خطورة العبث بالفالق السوري.
لكن وهم فائض القوة في أذهان هؤلاء الخصوم و ما ظنوه حتمية لا مفر منها كان قد سد كل المجاري السمعية لديهم, (فالخطة مُحكمة و نجاحها مضمون) كما كانت أحاديث الدبلوماسيين الغربيين و همساتهم خلف الأبواب الموصدة تقول.
و ما أفدح الخسائر عندما يكون الرهان بهذا الحجم.
فمن بريطانيا الخروج و فرنسا المراجعة و سعودية الفشل و قطر الأُضحية و أمريكا الاضطراب و إسرائيل الذعر و تركيا كل ما سبق, إلى روسيا النهوض و صين الصعود و إيران النفوذ و سورية الصمود و كوريا الهيدروجينية
كفتا ميزان لم يكن أشد المتشائمين في المعسكر الأول يتوقع ما جرى لهما مؤخراً.. على الأقل ليس بهذه الطريقة و هذا الوضوح!.
من لم يقنعه هذا الوصف عليه فقط أن يلقي نظرة خاطفة على المؤشر البياني للأحلام التركية كمثال أنموذجي:
وعيدٌ بالصلاة في الجامع الأموي بدمشق تآكل مع مرور الزمن باتجاه الشمال ليصبح خطاً أحمر رسمه إردوغان حول مدينة حماة, قبل أن يقوم بلعقه هو الآخر و يعاود رسمه في قلب حلب, ثم هي “منبج” و محيطها ما يمثل ذروة أحلامه , و ها هو اليوم يتسول الأدوار على أبواب الكرملين بطموح سقفه “عفرين”. فكل ما بقي لرجب من خطوط حمراء هي فقط تلك التي تسببت بها صفعات عشيقه الأمريكي على وجنتيه!.
لكن إردوغان لم يكن ضحية غدر الكاوبوي الوحيدة, و هو بالتأكيد لن يكون الأخيرة, فالسعودي الذي رفع سقف الرهان إلى حدوده القصوى و دخل في معركة كسر عظم مع أعداء إسرائيل في المنطقة يشعر اليوم كالمومس التي “تكدح” طوال الليل كي يأتي سيدها صباحاً و يأخذ كل ما لديها من نقود دون كلمة ” شكراً” حتى, فلا سفن ترامب تحركت كي تنتشل الملك الغارق في مياه المندب و لا طائراته في طريقها صوب بوشهر كي تحيله تشيرنوبل!.
لا بل إن الحديث عن “جاستا” لم يخبُ و من راقب تعابير وجه ترامب أثناء تواجده في السعودية لا بد لمس أن الرجل لم يكتف بكل ما أعطاه إياه سلمان و ربما كان يفكر أثناء ابتسامهما لعدسات الكاميرات في خلع أضراس الملك الذهبية و دسها في جيبه.. فقط لو أتيحت له الفرصة المناسبة!.
و لكن ماذا عن إسرائيل؟
هل تشتمّون رائحة الأمونيا و النشادر؟
قد يظن البعض أنها تنبعث من الحاويات المرتعدة في ميناء حيفا, لكن مصدر تلك الرائحة الرئيسي هو في حقيقة الأمر فراش نتنياهو و ليبرمان و أفيخاي أدرعي و كل مستوطن صهيوني في فلسطين المحتلة, فأصوات رصاص الجيش السوري و حلفائه المرعبة في دير الزور و ريف حماة يتردد صداها الآن في كريات شمونة و رامات دافيد معلناً اقتراب نهاية الحرب الإسرائيلية بالوكالة شرق الجولان و ما قد يعنيه ذلك من انتقال أنظار هذا المعسكر غرباً هذه المرة بعد أن كانت ثورة تنظيم القاعدة في سورية أمل تل أبيب الأخير في النجاة عقب انهيار كل نظريات الردع و الأمن الإسرائيلية على يد الأسد – نصر الله.
لم يتبق في هذا العرض للمشهد السوريالي سوى الحديث عن “قسد” التي أصابها ما أصاب مرتادي نوادي القمار قبلها من أنها ستكون الحصان الأسود في لحظات الوقت بدل الضائع من سباق الخرائط المحموم حالها كحال الكثير من “الأحصنة و العجول” التي امتطاها و سمنها راعي البقر الأمريكي في سورية و غير مكان قبل أن يستل مسدسه “الريفولفر” و يطلق رصاصة على رأسها عند أول كبوة و أول سقوط.
قسد المطمئنة لحليفها الأمريكي و للدعم الأوربي المنتظر لمغامرتها مستغلة حالة الفوضى في المنطقة و نشوء نواة الدولة الكردية من العراق, ترفض الأخذ بالاحتمالات “السيئة” من مثل انقلاب العشائر العربية عليها في لحظة قادمة أو سحب القوات الأمريكية من المنطقة عند أول عملية مقاومة محتملة ضدها, أو حتى تحالف الأضداد في مواجهة مشروعها لاحقاً و ما سيعنيه ذلك من أثمان باهظة سيدفعها من تمثلهم قبل القيادات, ناهيكم عن أنها تدفع شعوب المنطقة عنوة لوضع انفصاليي “الكرد” على رأس قائمة الكراهية و البغضاء. وحدها إسرائيل تبدو مرتاحة لهذا السيناريو بعد أن تربعت على رأس تلك القائمة لعقود.
سورية اليوم تبدو غير عابئة بما يجول في أذهان كل هؤلاء, لا بل إنها تقول لنا أن ملفات كبرى كملف إعادة الإعمار و تعافي الاقتصاد و الاستقرار الأمني هي في جيب دمشق منذ الآن, إذ من كان ليعتقد أن هذا البلد الذي أثخنته جراح الحرب و راقب الجميع أنفاسه بانتظار الأخيرة منها سيفكر الآن بإنشاء محطة عاملة بالطاقة النووية لما يحتاجه هكذا مشروع ضخم من بيئة سياسية و أمنية و اقتصادية مستقرة! فهكذا محطة لن تولد الكهرباء و حسب, بل إن مجرد الحديث عن الفكرة بحد ذاتها سيولد صدمة كبرى لأكبر تحالف شرّ عرفه التاريخ بما لها من دلالات و أبعاد تتجاوز أهدافها الاقتصادية المباشرة, و أين؟ في حلب التي دقت عنق “الثورة” سابقاً و معها أعناق الأوهام الغربية, و غداً ستدق باب العصر النووي و معه مسماراً في نعش ترقد فيه المؤامرة الكبرى إلى الأبد.

أذكر قبل أعوام عندما سأل صحفيُّ السيد وليد المعلم: كيف ستخرجون من هذه الحرب؟. أجاب حينها على الفور و بلا تردد: سنخرج أقوى!.
و ها نحن كذلك.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل