البحث عن كهف للوطواط إردوغان

رائد زياد _ فلسطين المحتلة .

قرأت أيام الطفولة قصة طريفة عن حرب طاحنة بين الحيوانات والطيور كان فيها موقفًا لافتًا للوطواط، الذي لم يكن يعرف إلى أي جهة ينضم؛ فهو يمتلك جناحين كالطيور، ولكن لديه أنياب كالحيوانات، وباختصار قرر الانضمام إلى الجانب الأقوى، فأقنع النسر (ملك الطيور) عندما انتصروا في إحدى المعارك_بأنه طائر، وعرض له جناحيه، وعندما عادت الكرّة للحيوانات تقدم إلى الأسد (ملك الحيوانات) وانضم إليهم وأقنع ملك الغابة بأن له أنياب مثلهم، ثم عاودت الطيور الانتصار في معركة تالية، فرجع إلى الطيور.. وهكذا، استمر في الرقص على الجانبين..
ثم أدرك ملوك الطرفين بعبثية هذه الحرب بعد أن طحنت الجميع، فتقرر إنشاء معاهدة سلام..
وعند الاجتماع نظر الجميع إلى الوطواط نظرة شكٍ وريبة، ورماه الطرفان بالعمالة والخيانة والتخلي عنه في اللحظات المصيرية..
ولأنه لم يكن له صديق أثناء الحرب، حُكِم عليه بألا يكون له صديق وقت السلم.. وأن يسكن الكهوف وألا يخرج إلا في الليل والجميع نيام.
.
هذه القصة على طرافتها نشاهدها اليوم بوضوح في عالم السياسة، وتحديدًا في الشخصية التركية، والدور التركي الدولي.
فتركيا تقدم لنا نفسها بأنها بوابة الشرق وأنها عاصمة آخر خلافة إسلامية، وأنها شرقية الثقافة والهوى، ثم تمضي إلى أوروبا وتكشف وجهًا آخر، فهي تركيا العلمانية الحديثة والعضو الأساسي في حلف الناتو، وهي ذات ذكريات سيئة مع “عرب خيانات”.
.
وقد لعب الرئيس التركي إردوغان هذا الدور بأوضح ما يكون في السنوات السابقة، فتقدم للشرق بأنه حامي حمى الإسلام والخليفة المنتظر، والمتعاطف مع فلسطين والأقصى وحصار غزة ومرمرة وزرزرة وكل تلك المسرحيات البهلوانية..
وبالطبع لم يفته فرصة (الأوكازيون) في سوريا، فاتخذ موقفه المعروف، وأظهر لنا دموع (الوطاويط) على شعب سوريا وأطفال سوريا.. إلخ إلخ.
وفي المقابل أظهر للأوروبي وجهًا آخر، فقدم نفسه على أنه (مختار المنطقة) الذي يأمر وينهى، وانضم إلى الدول المتآمرة على سوريا، وإن تحرينا الدقة كان ذراع الدول المتآمرة على سوريا، فلعب الدور الأقذر (من وجهة نظري)، وكان هذا الرجل أقرب إلى رجل العصابات منه إلى رئيس دولة. وقام بإعادة العلاقات مع إسرائيل (هذا على افتراض أنها قطعت أصلا) من أجل إرضاء الربّ الأمريكي.. إلخ.
.
ومن دون إطالة فموقف الرجل معروف وواضح وأدواره القذرة موثقة ولم تعد خافية على أحد. لكن نهاية القصة المذكورة أعلاه تتكشف مع هذا الوطواط؛ فبعد انتصارات الجيش العربي السوري التي كسرت هذا الذراع وحطمت أمنياته، واقتناع (النسر) الأمريكي بأنه لا مناص من استمرار وجود (الأسد) العربي، بدأ الشرق والغرب ينظر إلى تركيا نظرة أخرى، فهي دولة داعمة للإرهاب في نظر الغرب وهي السبب الأساسي في أزمة اللاجئين الذين اجتاحوا أوروبا مؤخرًا، و”لن تصبح أبدًا عضوًا في الاتحاد الأوروبي” كما صرحت بذلك المستشارة الألمانية مؤخرًا.
ويكفي تركيا أنها خسرت تاج رأس الشرق _ سوريا، ولا يبدو أن العلاقات التركية المصرية علاقة طيبة، ولا مع السعودية، ولا مع العراق..
.
والخلاصة أن إردوغان أصبح (يوطوط) يمينًا ويسارًا باحثًا عن صديق أو رفيق أو متعاطف، والنصيحة له الآن أن يبحث عن كهف يؤويه لينام فيه نومة الوطواط (بالمقلوب)، فالليل التركي القادم على سياستها الإقليمية والدولية طويل وربما طويل جدًا.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل