إيران والإخوان المسلمون.. قصة الحب المستحيل!

قبل ما يناهز قرنًا من الزمن، سقطت الدولة العثمانية، ورغم ما اعتراها من الضعف والقوة، والفساد والعافية والانحسار والتوسع، إلا أنها ظلت حتى سقوطها عام 1924م تمثل المرجعية السياسية لعموم المسلمين السُّنة، وكان أثر انقضائها بالغًا على حالهم ومآلهم، فورث همّ إعادتها جماعات وأفراد، كتب لأغلبها الاندثار ولم يبق مشروع يحمل هم إقامة الدولة الإسلامية، محققًا في سبيل ذلك نجاحاتٍ على الأرض غير جماعة الإخوان المسلمين، التي أسسها الإمام البنا عام 1928، بعد أربع سنوات من سقوط دولة (الخلافة) العثمانية، وبعض الجماعات المتأخرة كتنظيم القاعدة (1988 – حتى الآن) وحزب التحرير (1953 – حتى الآن) وتنظيم الدولة الإسلامية بالعراق والشام، لكن بقيت الجماعة هي الأكثر حضورًا في الشارع الإسلامي.

على خلاف غيرها من الجماعات والحركات التي تأسست للغرض ذاته، اندمجت جماعة الإخوان المسلمين في الدولة الحديثة، بمختلف كياناتها، فتواجدت في الجامعات كما المسجد، حتى الجيش المصري لم يكن ليخلو من أثر الجماعة، «كان عبد الرؤوف عبد المنعم قد كتب في مذكراته أنه كان مواظبًا على درس الثلاثاء الذي كان يلقيه الإمام البنا في المركز العام للإخوان المسلمين، ودعا معه ضباطًا آخرين لحضور اللقاء كان في مقدمتهم النقيب جمال عبد الناصر، وكان ذلك في أكتوبر من العام 1942م».

على الجانب الآخر كانت الدولة الإيرانية برعاية الشاه، راعيًا شرعيًا للإسلام الشيعي، وترسخ هذا الدور بالثورة الإسلامية 1979م، والتأسيس للولي للولاية، وتولي آية الله الخميني مقاليد الأمور في البلاد، السياسية والدينية.

كان النموذجان على اختلافهما الجوهري وتباين المنبع التاريخي لكل منهما، يصبان في الوعاء ذاته؛ الخلافة الإسلامية ولم الشمل الإسلامي في عالم الحداثة وما بعدها.

لهذا كان التلاقي حتميًا.. «المستقبل لهذا الدين»

نجحت الثورة الإيرانية لأن تكون نموذجًا للدولة الإسلامية التي ما فتئ الإخوان المسلمون يبحثون عنها، تتخذ من الإسلام مرجعيةً للحكم، ترفض الانضواء تحت لواء الدول ذات المخزون الحضاري والثقافي المعادي للهوية الإسلامية، تدافع عن الإسلام كدولة من خطوط متقدمة، ولهذا كان لازمًا أن تجذب إليها هوى الجماعة.
بادرت الجماعة فور نجاح الثورة الإسلامية فبراير (شباط) 1979م، بدعوة عدد من الحركات الإسلامية السنية لزيارة الإمام الخميني على متن طائرة خاصة لتهنئته بالثورة، ومد يد العمل المشترك معه انطلاقًا من مرجعية الثورة الإسلامية، وضم الوفد ممثلين عن حزب السلامة التركي، والجماعة الإسلامية في الهند وباكستان وغيرهم من جماعات الإسلام السنية، المتفرقة في الأقطار.

جدير بالذكر أنه لم يكن التلاقي الأول، بل سبقه تعاون وتنسيق ومحاولات لتقريب الرؤى. على سبيل المثال لا الحصر، كانت إيران وباكستان مقصد شحنات بالبواخر لكتاب سيد قطب «في ظلال القرآن»، بعد طباعته في الستينيات في بيروت. إذ لا يمكن عزل اتجاه «ولاية الفقيه»، و«الحكومة الإسلامية»، عند الخميني في الستينيات، عن تأثرات الحاكمية عند المودودي وسيد قطب، وتعني الحاكمية أن الله هو الحاكم الأوحد ذو السلطة المطلقة، وأن الطاعة حق ينفرد به الخالق حصريًا، ومن ثم يمنحه لمن شاء بالحدود التي يشاء، وقد أمر الله أن يتحاكم المجتمع إلى شريعته التي تصلح لكل زمان ومكان، وهي تملك الصلاحية الكافية لتقويم وصلاح ونفع أي مجتمع بإشاعة العدل والنفع والخير والبعد عن الأهواء البشرية، بحسب الفكرة.

في عام 1966 ترجم السيد علي خامنئي (مرشد الثورة الحالي)، تلميذ الخميني، للفارسية كتاب سيد قطب «المستقبل لهذا الدين»، وكتب مقدمة للترجمة يصف فيها مؤلف الكتاب، الذي أعدم في السنة ذاتها، بـ «المفكر المجاهد» وأضاف قائلًا إنه سعى «بهذا الكتاب في فصوله المبوبة تبويبًا ابتكاريًا أن يعطي أولًا صورة حقيقية للدين، وبعد أن بيَن أن الدين منهج حياة، وأن طقوسه لا تكون مجدية إلا إذا كانت معبرة عن حقائقه، أثبت بأسلوب رائع ونظرة موضوعية أن العالم سيتجه نحو رسالتنا وأن المستقبل لهذا الدين».

ويرى الباحث، محمد سيد رصاص، في كتابه «الإخوان المسلمون وإيران»، أنه مع زواج الشاه محمد رضا بهلوي من شقيقة الملك فاروق الأميرة فوزية، تولى الأزهر الشريف مهمة التقريب بين المذاهب، وعلى وجه الخصوص المذهبين السني والشيعي، وأنشأ «دار التقريب بين المذاهب الإسلامية»، وتحمس لذلك بشدة الإمام البنا، وفي هذا الإطار، التقى مؤسس الجماعة برجال دين شيعة، أمثال السيد محمد تقي القمي والشيخ الكاشاني.

وتبعت هذه المحاولة محاولات عدّة، حيث تبنى محاولات للتقريب الشيخ رشيد رضا، وسبقه إلى ذلك أستاذه، الأستاذ محمد عبده، حتى وصل كلاهما إلى مرحلة من اليأس، وانفضا عن سعيهما للتقريب بين السنة والشيعة، ومؤخرًا تبنى الشيخ القرضاوي «رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين» محاولات للتقريب بين المذاهب الإسلامية لكن خاب مسعاه وتعثر هو الآخر.

ولا شك أن التباعد الطائفي يحدث وفق روافع سياسية، فإيران الدولة حين تصدر خطابًا توافقيًا مع العالم السنّي فهي في الوقت ذاته تمول وتدعم الجماعات الشيعية في العالم العربي ما يقض مضاجع الحكام العرب، والسعودية حين تطلق مبادرة للحوار مع العالم الشيعي على لسان مليكها الراحل عبد الله بن عبد العزيز فهي تدعم في الوقت ذاته الأحزاب السنية في العراق على سبيل المثال، بما يضاد المصالح الإيرانية المباشرة.

كان الاستعمار في القرن الماضي دافعًا للتوافق والالتقاء على أرضية مشتركة، بغض النظرع عن مساحات التلاقي، لكنه كان على غير ذلك، مشعلًا لفتيل الطائفية، واحتلال العراق خير دليل على ذلك.

الفكاك الذي لا مفر منه

سرعان ما انقضت عدة التقارب المحموم على وقع الثورة الناجحة، حتى بدأت عورات العلاقة في التكشف تباعًا، بدايةً بنص الدستور الإيراني بعد الثورة على مرجعية الدولة الشيعية الاثنا عشرية، وهو ما لم يكن يتمناه إخوة النضال الإسلامي في مصر وروافدهم.
ويقال إن وفدًا من الجماعة نصح الإمام الخميني بتدشين خلافةٍ إسلامية من إيران، شريطة أن يعلن أن الخلاف بين صحابة الرسول محمد كان سياسيًا ولم يكن دينيًا، وهو الطلب الذي رده الإمام. وفي هذا غفلت الجماعة حقيقة أن المجتمع الإيراني يسير على قدمين اثنين، المذهبية الشيعية والقومية الفارسية، وهو ما يدركه الإمام ويعرف خطورة أن يسعى لتغييره.

كانت القضية الفلسطينية ركيزة وطدت صلة الجماعة بنظام المرشد الأعلى، إذ أعلت الثورة من قيمة التحرر الفلسطيني وخلافًا لغالبية الدول العربية، قدمت إيران دعمًا حقيقيًا لحركات المقاومة المسلحة، بدايةً من رعايتها لمنظمة التحرير الفلسطينية حتى ذهب بها الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات إلى اتفاقية أوسلو، ثم دعمت طهران فيما بعد حركتي الجهاد الإسلامي بقيادة الشقاقي وحركة المقاومة الفلسطينية حماس (المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين).

ارتبطت الثورة الإيرانية بالقضية الفلسطينية، وكانت – من قبلُ – أيام الشاه محمد رضا بهلوي أول دولة ذات أغلبية إسلامية تعترف بشرعية «دولة إسرائيل»، إلا أنه وفي مراحل التحضير للثورة ارتبطت الجماعات الإيرانية المعارضة بمنظمة التحرير الفلسطينية ومنح بُعيد الثورة نظام الإمام الخميني مفتاح السفارة «الإسرائيلية» بطهران للرئيس ياسر عرفات، لتكون سفارةً فلسطينية.

ارتكز التوجه الإيراني حيال القضية الفلسطينية على ركيزتين اثنتين، دعم جماعات التحرر المسلح والتخلي عن أي فصيل يذهب لتسوية القضية سلميًا، لكن التلاقي بين إيران وحماس تعرض لهزات عنيفة قبيل الربيع العربي بلقاء خالد مشعل والرئيس عباس، في محاولة لرأب الصدع الفلسطيني. ثم مع اندلاع الربيع العربي واشتعال الحرب الأهلية في سوريا ورفض حركة المقاومة الفلسطينية إقحام نفسها سياسيًا وعسكريًا ضمن المحور الإيراني في سوريا، وصلت العلاقات على إثر هذا لأسوأ حالاتها، حيث خرج المكتب السياسي للحركة إلى الدوحة مطلع 2012م – وكان يتخذ من دمشق مستقرًا له – وليس خفيًا أن الدعم المالي والعسكري الذي تقدمه إيران للحركة خفّ بشكلٍ حاد على خلفية التمنع الحمساوي عن مؤازرة نظام الأسد، بل ومهاجمة حركة الإخوان بشدة للنظام.

الحب المستحيل

أعلنت الثورة الإسلامية من البداية عن نزعتها الطائفية، وأقصت ضمنيًا الآخر السنّي، فيما تبلور لاحقًا في المواقف المختلفة، على سبيل المثال لا الحصر، العلاقة المعقدة بين الجماعة الإسلامية في لبنان وحزب الله حليف إيران الأوثق في المنطقة عربيًا، إذ كانت الجماعة والحزب يعقدان لقاءات مشتركة للتخفيف من حدة الطائفية بين الأفراد هنا وهناك، حتى كانت الأزمة السورية فراقًا حتميًا بين الجماعة والحزب.
الفراق ذاته كان مع نظام الإخوان المسلمين الذي حكم في مصر، من يوليو (تموز) 2012 إلى أن أطاح به الجيش في يوليو (تموز) 2013، إذ زار الرئيس الإيراني المتشدد محمود أحمدي نجاد القاهرة، في فبراير (شباط) 2013، ليكون أول رئيسٍ إيرانيٍّ يزور القاهرة مذ اندلعت الثورة الإسلامية على الشاه، الصديق الحميم للرئيس المصري حينها محمد أنور السادات.

وسبقت الزيارة النجادية زيارة للرئيس السابق محمد مرسي، في أغسطس (آب) 2012، لكن محاولات التقارب هذه بين الطرفين لم يُكتب لها أن تنجح بإعلان مرسي دعمه الكامل للثورة السورية على نظام بشار الأسد، أحد أضلاع محور الممانعة الذي تتزعمه إيران لتواجه به الإمبريالية، بحسبها.

الأمر ذاته كان مع حركة المقاومة الفلسطينية حماس، التي نأت بنفسها عن تأييد الرئيس السوري الأسد، وقالت إنه من حق الشعب السوري الثورة في وجه استبداد عائلة الأسد، وهو الشيء الذي لم تغفره إيران لأصدقائها الفلسطينيين، الذين لطالما أمدّتهم بالسلاح والعتاد. وكذلك واجه إخوان سوريا الموت على يد كتائب حزب الله، ونظام الممانعة بقيادة الأسد، ومعه وحدات الحرس الثوري الإيراني.

جميعها مشاهد عكرت صفو الحديث المتصل من بداية الثورة، وإن كان من إجمالٍ بعد هذا التفصيل، فإنه مما يعوق تحوُّل التقارب بين الجماعة ونظام الولي الفقيه إلى شراكة، المذهبية، التي لا تفتأ تظهر في كل خلافٍ تكون إيران وحلفاؤها طرفًا فيه. كذلك فإن جماعة الإخوان على ما بذلته ابتداءً بُغية التقارب مع شيعة إيران كانت واقعة تحت تقريظ السلفيين العرب، لا سيما الخليجيين، الذين يرون في متبعي مذهب الإمامية الاثنا عشرية فاسدي العقيدة، بعض أفراد الجماعة لزم الصمت حيال الخطاب السلفي حول الشيعة الإيرانيين، وبعضهم أمثال الأستاذ سعيد حوى (إخوان سوريا)، جرفه التيار السلفي فكتب «الخمينية: شذوذ في العقائد وشذوذٌ في الموقف»، وكان بعض هذه الخطابات مدفوعًا من دول خليجية، كانت ترى في الثورة الإسلامية منافسًا لها على تمثيل الإسلام، كما رآه د. أحمد يوسف في ورقة بحثية له حول الجماعة والثورة.

كانت كذلك الحرب على العراق واحدة من أبرز محطات الشقاق الإخواني الإيراني، وذلك أن الأخيرة وحلفاءها على الأرض دعموا الاحتلال رغبةً في التخلص من نظام صدام حسين «المزعج»، وهو ما رآه البعض ذروة الطائفية الإيرانية.

مد الجسور على استحياء بين إيران والإخوان

شاركت الجماعة في الربيع العربي في كل من مصر وليبيا وتونس وسوريا، ووصلت للسلطة هناك في مصر وتونس وشاركت في حكم ليبيا وقتًا من الزمن، ثم هي فشلت وغادرت السلطة، لأسبابٍ كثيرة، كان منها أن الأنظمة العربية في الخليج العربي دعمت قوى الثورة المضادة في بلدان الربيع العربي، مخافة أن تنتقل الثورة إلى بلدانهم، وفي تهمة معلبة أخرى، مخافة المد الإيراني المحدق على وقع العلاقة الهادئة بين الجماعة (الإخوان المسلمين) وإيران.

كان هذا العداء المزدوج في ظل تبدد مشروع الجماعة دافعًا كافيًا لأن ترسل (على سبيل المثال) حركة المقاومة الفلسطينية حماس في الرابع من أغسطس (آب) الحالي وفدًا رفيع المستوى ليشهد مراسم تنصيب الرئيس روحاني، وهو التقارب الذي كان لا بد منه في ظل حصار الدول الخليجية للجماعة والعمل على تقليم أظفارها وتجفيف منابعها، ولئلا تترك نفسها رهينة الموازنات الخليجية المتقلبة بتقلّب الليل والنهار.

وتنظر الجماعة إلى إيران على أنها صديق لدود لا بديل عنه في الكثير من الأحيان، رغم ما يكون منه أحيانًا من اشتراطات، كما كان في الحالة السورية، وكما كان قبلها من رفضه التسوية بين حماس والسلطة الفلسطينية، فإيران تبدي على الدوام استعدادها لإغاثة حلفائها، هناك في سوريا وفي لبنان وفي العراق، وحتى في فلسطين، التي عزفت عنها جلُّ الدول العربية، واكتفت بمسارات الأمم المتحدة في دعم القضية، وهو ما لا يأتي على المقاومة الفلسطينية بأي جديد.

في كل مناسبة تبرز الخلافات كما تبرز الالتقاءات؛ النظم العربية، التي تشكلت في أعقاب الاستعمار الغربي تعادي جماعة الإخوان كما تعادي النموذج الإيراني. كما أن الطرفين كليهما يرفض الوجود الإسرائيلي ويسعى لتحرير كامل الأراضي الفلسطينية، ولعل ذلك أوثق عرى الالتقاء بينهما.

وبهذا التوصيف، الذي أوردناه في صدر التقرير، تكون العلاقة بين إيران الثورة وجماعة الإخوان المسلمين، تجمعهما الغاية وتفرق بينهما الوسيلة، وتنفث الطائفية سمومها في التفاصيل بينهما. ولعله بانتهاء الأزمة السورية واستمرار الحصار الخليجي-المصري للحركة تكون احتمالات التقارب أوثق، في ظل حالة العداء المزدوج، التي تبدّت مؤخرًا بقوة في الأزمة الخليجية، فقطر المحاصرة متهمة بدعم جماعة الإخوان المسلمين والتعامل مع إيران، وهل تصنع العداءات المشتركة غير الصداقات، ولو كانت ظرفية مؤقتة؟

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل