هل يمكن أن تبقى الأجور كما هي؟!

تتحسن بعض مؤشرات الصناعة التحويلية السورية بشكل ملفت، ويتضح التقاط المستثمرين في سورية لميزة الأجر التنافسي فوسطي أجر العامل السوري اليوم لا يتعدى 75 دولاراً شهرياً، حيث يعلم أصحاب المال بأن الانخفاض الحاد للأجور السورية فرصة لا تفوت وأساس جيد للمرحلة القادمة، ولكن هل سيبقى الوضع على حاله؟!

تحقق الأجور المنخفضة تخفيضاً للتكاليف، ومعدل ربح أعلى، وتحديداً في القطاع الإنتاجي الصناعي المعتمد على العمالة المكثفة أكثر من اعتماده على الآلات، وإذا ما قارنت أجر الكفاءات الموظفة في الصناعة كالمهندسين بين سورية والإقليم يتضح أنه مقابل وسطي 70 ألف ليرة شهرياً أي: حوالي 135 دولاراً في سورية، هناك 508 دولار بالحد الوسطي في مصر، و560 بالحد الأدنى في الأردن و800 في لبنان، و 1600 في تركيا…

يقول البعض بأن الأجور في سورية سترتفع تلقائياً مع المرحلة القادمة وزيادة الاستثمار والتشغيل، وبالفعل وفق قانون العرض والطلب على سلعة قوة العمل فإن زيادة الطلب على المشتغلين وعودة النمو الاقتصادي تؤدي إلى رفع موقعهم التفاوضي وزيادة أجورهم، ولكن ينبغي الأخذ بعين الاعتبار العوامل التي تؤدي إلى انخفاض الأجور، وأهمها: الفائض المتوقع في قوة العمل، وتراجع كفاءتها.

الملايين العائدة إلى سوق العمل

تقدر الدراسات الدولية بأن قرابة 11 مليون سوري موجودون في سورية اليوم هم في عمر العمل، يعمل من بينهم في النشاط الاقتصادي قرابة 3 ملايين فقط، بينما 8 ملايين متبقين مضافاً إليهم 2.5 مليون من الرجال والنساء السوريين النازحين في الإقليم، أي: حوالي 10 مليون يمكن أن يتوافدوا إلى سوق العمل السورية في مرحلة الانتعاش وما يقارب ضعفي العاملين حالياً، بالإضافة إلى الداخلين الجدد إلى سوق العمل من الأعمار الأصغر.

أي أن كم القوى العاملة المتاح تشغيلها كبير وسيتزايد مع تغير الظروف السياسية وبدء الإعمار، ولكن نوع القوى العاملة السورية قد تردى موضوعياً، فالملايين التي لا تعمل منقطعة عن النشاط الإنتاجي وعاطلة أو تعمل في نشاطات هامشية، لا تراكم فيها معارف وخبرات إنتاجية، بينما الوافدون الشباب إلى السوق بينهم ملايين أيضاً من المنقطعين عن التعليم، في بلد أصبح قرابة نصف أطفاله خارج المدارس الابتدائية.

وكلا العاملين: زيادة عرض القوى العاملة المتوقع، وخبراتها الضعيفة يساعدان قوى المال على الاستمرار في الضغط باتجاه بقاء الأجور منخفضة حتى لو زاد الناتج والدخل العام والتشغيل، الذي يفترض أن يزيد الأجور.

ولكن استمرار الأجور منخفضة، وهو مسعى أصحاب الربح لأنه يبقي حصة الأرباح مرتفعة من الدخل الإجمالي، إلا أنه بالمقابل يؤدي إلى تراجع الدخل ذاته.

الضرر الاقتصادي للأجر المنخفض

الأجر هو سعر قوة العمل، والذي ينبغي أن يرتبط بقيمة قوة العمل، أي: بقدرة العامل على تجديد قوة عمله، ما يعني تأمين الحاجات الضرورية لاستمرار هذه القوة وتطويرها، ليس للعامل فقط بل لمن يعيلهم كأسرته. ودون أن يحقق الأجر هذا الشرط الموضوعي، فإن التأثيرات تمتد لتطال معدل العمر الوسطي، ومستوى تغذية وتعليم ورعاية أطفال أصحاب الأجر، ولكنها تنعكس اقتصادياً وبشكل مباشر على أداء العامل في العمل، أي إنتاجيته، وهو الذي يخلق الثروة الجديدة ويدمج الآلات بالمواد، وبدون كفاءة قوة عمله فإن مجمل إنتاجية العملية تتأثر. فالأجر والإنتاجية المنخفضان يؤثران على الأداء الاقتصادي عموماً، وبالتالي على الربح أيضاً بشكل سلبي. هذا إضافة إلى تأثير كتلة الأجور المنخفضة على مقدرات الاستهلاك العامة والطلب، فالعاملون بأجر هم الشريحة الأوسع والمستهلك الكمي الأكبر، وعندما لا يتوسع الاستهلاك المحلي، فإن جزءاً كبيراً من الربح لا يتحقق، فدون بيع لا يعود الربح مالاً للجيوب الكبيرة، وهذا يؤدي لخسارات في بعض القطاعات المرتبطة بالاستهلاك المحلي، وينتقل بدوره إلى الإنتاج عموماً، والنشاط الاقتصادي العام، ويتباطأ ثم قد يتوقف توسيع الاستثمار.

استمرار الأجور المنخفضة يؤثر على استمرارية النمو الاقتصادي، فيخفض إنتاجية العمال، ويقلص إمكانات الاستهلاك وكلاهما يؤديان إلى تراجع خلق الثروة الجديدة، أي الدخل السنوي الذي يتوزع أرباحاً وأجوراً.

مضاعفة كتلة الأجور 12 مرة!

يحصل عمال سورية وأصحاب الأجر فيها على دخل منخفض بشكل استثنائي، فإذا اعتبرنا الوسطي 40 ألف، فإن الحاجات لعامل يعيل زوجة وطفلين فقط يقارب 240 ألف، أي لكي يصل الأجر إلى المستوى الضروري ينبغي أن يتضاعف 6 مرات على الأقل. فإذا ما كانت كتلة أجور 3 مليون عامل في النشاط الاقتصادي السوري تقارب وسطياً 3 مليار دولار سنوياً، ونسبة 18% فقط من أقل تقدير للناتج السوري 15 مليار دولار في 2016، فإن هذه الـ 3 مليارات عليها أن تصبح 18 مليار دولار، هذا إذا بقي المشتغلون 3 مليون فقط، وعليها أن تصبح 36 مليار دولار إذا اشتغل 3 مليون إضافيين في المرحلة القادمة!

السوريون اليوم في وضع يقول: إما أن تبقى كتلة الأجور منخفضة ويبقى عدد المشتغلين قليلاً في المرحلة القادمة، أو علينا أن نضاعف كتلة الأجور 12 مرة وفق تقديرات بسيطة، إذا ما أردنا أن نضاعف عدد المشتغلين ونعطي العمال ما يسد حاجاتهم ويؤمن تطويرهم، وهذه الزيادة في كتلة الأجور لا يمكن أن تتم إلا على حساب تقليص كتلة الأرباح التي تزيد اليوم عن 82%.

أي ينبغي تقليص حصة الربح من قيمة ما ننتج من دخل، وزيادة كتلة الأجور وحصة المال العام التي تخدم زيادة الأجور بشكل غير مباشر، عبر خدمات التعليم والصحة والإنفاق الاجتماعي المجانية.

فإذا ما اخترنا الخيار الأول أي بقاء حصة الأجور منخفضة لهذا الحد وعدم توسيع التشغيل، فإننا عملياً نختار استمرار جميع الأزمات الاجتماعية المرتبطة باستمرار استغلال الأرباح للأجور، وبقاء الأجور منخفضة لهذا الحد، أي أزمات مثل: الجوع، الفقر، البطالة، الأمية، التدهور الاجتماعي، وكل ما يستتبعها من تأثيرات سياسية كالفوضى والعنف والاضطراب السياسي.

إن كان للأجور المنخفضة تأثيرات اقتصادية واجتماعية وتنموية عموماً، وفي كل مكان وزمان، فإن هذه التأثيرات تتضاعف في بلاد تراجعت مؤشرات تنميتها عقوداً إلى الوراء، وتحتاج إلى إنفاق اجتماعي تعويضي واسع لترميم التدهور الاقتصادي والاجتماعي الذي طال ما بناه المنتجون السوريون سابقاً، وآخر ما تحتاجه سورية، هو الربح الكبير المتراكم لدى أفراد قلة، يمتلكون قرار الإنتاج أو التوقف، التشغيل أو البطالة، التوزيع أو الاستحواذ، ويتحكمون بالسياسات الاقتصادية.

الضرورات الاقتصادية الاجتماعية السورية اليوم، ستضعف قدرة هؤلاء القلة على التحكم المطلق، كما كان الوضع قبل الأزمة وكما هو خلالها، ولكن هذه العملية ترتبط برسم واضح لخيار أعلى نمو اقتصادياً وأعمق عدالة اجتماعية، وبقدرة أصحاب الأجور بالدفاع السياسي عن نموذجهم الاقتصادي.

قاسيون

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل