ما كُتب قد كُتب

غالب قنديل
انطلقت عمليات تحرير القمم اللبنانية السورية من عصابات داعش في توقيت واحد على جانبي الحدود اللبنانية السورية التي رسمت بموجب سايكس بيكو ولم تقطع التواصل السكاني ولا حتى طرق التهريب المتعرجة عبر الجرود الوعرة ولا انتشار العائلات المتشابكة بين البلدات والقرى.

إنها رواية الكيانات التي اعترضت وحدة الحياة في الشرق العربي عبر الخطوط المرسومة بفرمان سلطاني في ظل الاحتلال العثماني ومن ثم بالكيانات المستحدثة في زمن الانتداب الفرنسي البريطاني وهو ما ورثته دول ما بعد الانتداب التي غرس وسطها الكيان الاستيطاني الصهيوني كقوة استعمارية مانعة للتقدم تستنزف القدرات وتهدد الوجود بالعربدة والاحتلال والعدوان.

بعد انبثاق المقاومة اللبنانية التي ألحقت بالكيان الصهيوني هزائم متلاحقة وشرعت بالشراكة مع سورية وإيران تفرض تغييرا ثوريا في البيئة الإقليمية من خلال ردع الكيان الصهيوني وتهشيم خرافة تفوقه استحضر الغرب الاستعماري جحافل الإرهابيين التكفيريين لتمزيق الدول والكيانات وتفكيكها بهدف ضرب محور المقاومة الذي تشكل وتطور خلال ربع القرن الماضي وتطلع المخططون إلى فرض الخرائط الجديدة التي وعدت بها كونداليسا رايس خلال حرب تموز المهزومة فاستكملت المحاولة بداعش والقاعدة لتعيش إماراتها لربع قرن جديد كما بشرنا بذلك قادة الولايات المتحدة ودول الغرب علها تفلح حيث فشل الكيان الصهيوني انطلاقا من العدوان الشامل على سورية.

الأغبياء والبلهاء وحدهم يتنكرون للجغرافيا وللتاريخ ولوحدة المصالح الحيوية والوجودية التي يحتمانها ومن غير ان نعود إلى نبش ذاكرة تورط قوى لبنانية مرتبطة بالغرب وبالخليج في خطة تدمير سورية فإن منطق هؤلاء الموتور والعدائي مؤخرا ضد أي تطوير جدي للعلاقات اللبنانية السورية في مجابهة الخطر الوجودي المشترك عبر التنسيق الجبري والاضطراري مع الجيش العربي السوري لتحرير الجرود من عصابة داعش المنتشرة على المقلبين في رقعة واحدة ام في المجالات الاقتصادية القاهرة في شتى وجوه العلاقات الدولية حيث يتعاون المتخاصمون ويتبادلون المنافع والمصالح مرغمين والأمثلة كثيرة في العلاقات الروسية او الصينية مع الولايات المتحدة ودول الغرب ام في العلاقات التركية الإيرانية وغيرها الكثير الكثير.

بعض القيادات اللبنانية تقدم ولاءها للغرب ولمرجعيات تبعياتها الإقليمية على حساب المصالح الوطنية الفعلية وهي في قضية تحرير الجرود معركة وجود وسيادة لا مناص فيها من العمل المشترك مع الجيش العربي السوري تماما كما هي تلك المصالح الحية والقاهرة في ميادين الاقتصاد المتعددة حيث لم يصمد منطق القطيعة منذ عقود لأنه يعني الاختناق التام والقطع الكلي لأوردة التواصل مع سورية نفسها ومع العراق والأردن وبالتالي مع الداخل العربي الذي هو سوق لبنان الطبيعي واليوم لا يعادل ذلك الخيار الموتور والأخرق سوى إدارة الظهر للكتلة الاقتصادية العملاقة التي تمثل سورية مرتكزها النوعي والتي تضم الصين وروسيا والهند وإيران وهي توفر امكانات وقدرات هائلة لتطوير الدور الاقتصادي للبنان وتنميته في مجال حيوي رحب بدلا من الدوران في حلقة الشح والتقلص والركود التي يعيشها خيار الارتهان التقليدي للغرب والخليج ومن الممكن ببساطة السعي إلى الجمع بين الخيارين بقليل من الدراية فالكتلة الشرقية الصاعدة نفسها تقيم علاقات ندية مع الغرب ويمكن للبنان ان يفعل ذلك حين ينفتح على الخيارات الجديدة انطلاقا من علاقته بسورية التي تنسج في دمشق وبيروت وليس في واشنطن او الرياض أو باريس كما يهوى الزعماء التقليديون في لبنان بقوة العادة والتبعية العمياء.

قدر قيادة المقاومة الحكيمة والمسؤولة ان تعوض العطب السياسي الخطير الناتج عن توازنات سياسية محلية تشوبها ارتهانات خارجية وليس عن اجتهادات تتوخى المصلحة اللبنانية فالمعاندون لم يطرحوا حجة واحدة تسند منطقهم البائس ولذلك حسنا فعلت قيادة المقاومة حين تكفلت بمد جسور التنسيق بين الجيشين اللبناني والسوري في قيادة عملية تحرير واحدة للجرود بجناحين متكاملين وحسنا فعلت قوى الثامن آذار بتصميمها على زيارة الوزراء إلى دمشق لمد جسور التعاون الاقتصادي غير آبهة بالصراخ والجعجعة وحيث بات المشهد واضحا : ما كتب قد كتب وإن استمر الصراخ والثرثرة فلن يقدم ذلك أو يؤخر مسار وحدة الحياة والوجود العابرة للحدود.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل