كسر محرّمات الأشقياء وبوارق كوفان الحِير المُقدّس

أسد زيتون

في  كتابه : ( الأموريون الساميون الأوائل ) الصادر سنة 2016م نصب الباحث الفذّ خزعل الماجدي منارة أكاديمية عالية على طريق الخروج من التضليل والتزوير الاستشراقي …
في الصفحة 75 كتب الباحث :
( أمّا العصر الآشوري القديم فقد بدأ بالأسرة الأمورية التي أسسها شمشي أدد الأول استمرت من 1808-1736ق.م تأسست على يد الملك الشهير شمشي أدد الأول الذي كان أموريّا وضمّ إليه مملكة ماري ومناطق مهمة من سوريّة ولبنان )
هذا الكلام خطير جدّا ويكشف إحدى أهم الحقائق التي جهد الاستشراقيون لطمسها وحرف بصائر القرّأء والباحثين عن ملاحظتها , إذ أنهم يصرون على الفصل بين الآشوريين والأموريين باعتبارهم شعبين مختلفين …
تحدثنا من قبل عن الأدلة الأثرية التي يحتفظ بها الأمريكيون في جامعة بن سلفانيا , وهي عبارة عن وثائق لأداء قسم الولاة أمام حمورابي ملك بابل وأمام شمشي أدد ملك آشور , وكما أنّ هؤلاء الولاة هم أنفسهم كذلك أن حمورابي على كرسي بابل الروحي هو نفسه شمشي أدد على عرش آشور الملَكي , وهذا ليس اشتثنائيا فالملك توغولتي الثالث اتخذ لقب ( بلولو) على كرسي بابل والملك سولمانو أشارئيد الخامس تلقب باسم بابل باسم (أولولاي) ومن المعروف أيضا أنّه بين ملوك حلب (يمحاض) اتخذوا أيضا لقب حمورابي في العصر ذاته الذي شهد صراعات كثيرة تخللها تحالفات متقلقلة بين ملوك بابل وآشور وملوك يمحاض , ويبدو أن المستشرقين حوّلوا أخبار صراعات آشور وبابل مع يمحاض إلى صراعات بين حمورابي وشمشي أدد …
لا أظن أن المستشرقين الذين فصلوا بين اللقبين وجعلاهما شخصين اثنين خاضا نفس الحروب وتملكان البقاع ذاتها في العصر ذاته , لا أظنّ أنهم كانوا يجهلون الحقيقة ولكنهم تعمدوا إبعاد أي ربط بين حمورابي المشرع العظيم وبين شمشي أدد الذي صعد نجمه بعد استيلائه على إجالاتو , ولا أظن أن الربط بين أدد وداود وبين إجالاتو وجالوت سيكون صعبا على القارئ فما بالكم بالباحث المدقق …
نقرأ في الصفحة 84 أن ملك ماري المُسمى (حيدر) استولى على إيبلا سنة (2300ق,م) وهو العصر ذاته الذي قام خلاله نارام سين بتدمير إيبلا أيضاً وهذا يعني أن اسم (حيدر) كان لقباً لنارام سين ليس إلاّ , وهو نفسه اللقب الذي انتقل إلى الإمام عليّ ومعه باقة من القصص التي حوّلتها المخيلة الشعبية إلى أساطير لتشابه الأحداث والأفعال والمنجزات التي حققها كل من نارام سن والإمام علي …
ونحن قد تحدثنا من قبل عن شخصية نارام سن ( ذي القرنين ) خليفة سرجون الذي حملته مياه الفرات طفلا في سلة من خشب الأسل , وقارنا حروبه وانتصاراته بحسب النقوش مع حروب وانتصارات يوشع بن نون خليفة موسى التي بدأها مع غروب الشمس بحسب التوراة وكيف أنهم جعلوا الشمس تقف له في كبد السماء يوما يوما كاملا وكذلك القمر حتى أنهى معاركه وأنجز انتصاراته , وتحدثنا عن قواعد الكتابة الأكدية التي وضعها نارام سن في أجادة , ورأينا كيف أنّ الحروب والانتصارات والانجازات الواقعية في زمن سرجون ونارام سين والتي أقر بها أعداء سرجون ونارام في نقوشهم , رأينا كيف تحولت إلى أساطير انتقلت بدورها إلى عصر النبيّ الأميّ والإمام عليّ الذي شابه فعله فعل نارام سن في المعارك التي خاضها والانتصارات التي حققها وكذلك بوضعه لقواعد اللغة العربية الفصحى في كوثا الفرات الأيمن حيث مسجد (إي سلام : بيت السلام : دار السلام ) الذي بناه الملك مسلم , ومنها أسطورة رد الشمس …

صدور مثل هذا الكتاب بما يحتويه يعطينا الأمل بأنّ ثمّة نهضة تلوح في الأفق وبأن عصر كسر محرّمات الأشقياء قد بدأ .. ولا يسعني إلا أن أتوجّه بأسمى آيات الشكر والتقدير للباحث الكبير خزعل الماجدي , ولو استطعت أن أقرأ مسودّة الكتاب لنصحته على سبيل المثال أن يقوم بتصحيح المفهوم الخاطئ الذي كرّسه المستشرقون , إذ عمدوا إلى ربط بين اسم الأموريين وبين اسم البحر الأبيض المتوسط الذي يرد بصيغة (أمورو) حسب ترجمتهم , وبذلك ربطوا بين (أمورو) وبين جهة الغرب , والحقيقة أنهم الاسم الذي عُرف به البحر الأبيض المتوسط قديما هو ( غمورو ) أي الغمر العظيم , ولا صلة بينه وبين الأموريين أي العموريين أصحاب العمران , وهم قوم إبراهيم أي الملك مسلم سيد بلاد سومر المطاع …
نستطيع ألغام ومفخخات التاريخ التي تطلّ علينا بين حين وآخر بالذبح والقتل والخراب , ونستطيع إذا امتلكنا الإرادة والعزم والتصميم أن نعيد بناء التاريخ القديم بطريقة علمية منهجية , ويمكننا أيضاً استعادة وثائق قصر الحير التي دمرها الأمويون بحجة التعريب …
ولكن يجب علينا أوّلا إخراج عقولنا وبصائرنا من مستنقع التاريخ الذي كتبه لنا أجراء العصرين الأمويّ والعباسي , وهو التاريخ الذي صوّر لنا النبي الأميّ وأصحابه كثلة من الغزاة الذين يغيرون على القوافل ويقطعون الطريق وبتناهبون الغنائم والسبايا ويقتتلون عليها , بينموا خصصوا الأمويين والعباسيين بذات التاريخ الذي دونوه بأخبار الفتوحات والانتصارات العظيمة , ونحن مع الأسف الشديد قد تركنا – كما تركوا – القرآن مهجورا فكذبناه وصدقناهم , وما نزال نقول غزوة بدر وغزوة أحد ونردد ببلاهة : ( أن من جهّزَ غازيا في سبيل الله فقد غزا ) على الرغم من أن القرآن خص نبيه الأميّ بالفتح والنصر المبين وبدخول الناس دين الله أفواجا ولم يخص الأمويين والعباسيين , وكذلك خصّ أعداء النبي ورسالته بالغزو فكان المؤمنون (غُزّى) أي مغزووين لا غازين , ومع ذلك نصر على أنّ الرسول وأصحابه غزاة وأنّ الأمويين والعباسيين والعثمانيين هم الفاتحون , والأدهى من ذلك أن كتبة السلاطين منحوا النبي الأمي فتحاً واحدا هو ( فتح المكة ) الذي جرى دون قتال فكأنما بخلوا عليه وعلى أصحابه أن يجاهدوا في سبيل الله لكسر شوكة الجبابرة والطغاة ونصرة المظلومين والمضطهدين …
ليس مصادفة أن ينتهي عصر المسند فجأة وأن لا ترد إليه سوى إشارات خجولة في التراث المنقول , وليس سهوا أن يقوم الرواة بتجاهل معظم الأخبار التي تتحدث عنها نقوش المسند على الرغم من قربها الشديد جدا من عصر البعثة النبوية , في الوقت الذي أسهب الرواة والمحدثون فيه بذكر تفاصيل ما حدث لآدم ولم يبخلوا علينا ختى بالأشعار التي نظمها آدم على بحور الخليل بن أحمد الفراهيدي …
علينا أن ننقّب بآثار من سبقونا ونعلم أخبارهم من آثارهم لا من الروايات التي يتناقلها الناس عنهم وقد تعرضت للتغيير والتزوير مرارا وتكرارا خلال عصور طويلة سادها الظلم والطغيان …
علينا أن نكرم أنفسنا بالعودة إلى القرآن فنتمثل لدعوته وننظر في عاقبة الذين من قبلنا ونصيخ السمع لأحايث أفلاذ كبد الأرض بأخبارها , فإنّ تلك الأفلاذ التي يحاول أعداؤنا سرقتها وتدميرها هي أحاديث تلك الأرض التي تحدثنا بما أوحى إليها الله …. ولكن أين من يسمع وأين من يعي ويتأمل .. وأين من يستمع القول فيتبع أحسنه ..؟!! إنّ لتلك الـ أين عينا لا بدّ أن ترى – يا قوم – لا بدّ .

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل