قارئة الفنجان” ليست أغنية عن الحب ولا ما يحزنون .. انها ببساطة عن سورية

نصار ابراهيم

أولا مساء جميل وليلة ضاحكة.. ومن هنا أبدأ:
اليوم… وأنا أغازل قهوة الصباح وحدي اكتشفت اكتشافا مدهشا …
صديقي التاريخي اللدود والمشاغب جدا المهندس صفوان عناني، الذي يقيم الآن في اليونان، نشر على صفحته أغنية “قارئة الفنجان” للمغني الرائع عبد الحليم حافظ، كلمات نزار قباني تلحين محمد الموجي.
من باب التفاعل رحت أستمع للأغنية وفي ذاكرتي أنها أغنية تعبر عن حالة العشاق الذين خذلتهم الأيام والظروف لألف سبب وسبب، ولهذا فهي مشبعة بالأسى والخيبة وانغلاق الأفق والخيارات…

المهم… لا أدري كيف ولماذا حصل معي ما حصل… فقد شعرت وأنا أتابع الأغنية… أن قوة خفية تشدني باتجاه آخر بعيدا عن المعانى الظاهرة في الأغنية… أقصد الحب وما حب وما بعرف شو…
لقد اكتشفت فجأة أن “قارئة الفنجان” ليست أغنية عن الحب ولا ما يحزنون، بل هي غير ذلك تماما… وأن نزار قباني قد خدعنا حين كتب كلمات الأغنية فأوهمنا أنها أغنية تحكي عن معاناة العشاق الذين يضج بهم تاريخنا العربي… فيما هي في الحقيقة أغنية “سياسية” أو لنقل شيفرة سياسية … موجهة تحديدا وحصرا إلى “ثوار الثورة السورية” وخاصة أصحاب “منصة الرياض” أو منصة سلمان بن متعب لا فرق، وليس للعشاق الذين يستظلون الياسمين، ولهذا فإن عبد الحليم حافظ كان يؤديها وكأنه يتخيل مسبقا آخر أيام “الثورة السورية”، داعش والنصرة وجيش الإسلام وجيش الرحمن وجيش زنكي وهيئة أحرار الشام… وجيش حمد وأبو الغيط وغيلون وكمال اللبواني وسهير الأتاسي والعرعور وصبرا وقرقاش وقرفاش وقحماش وسخماط وقلعاط وغيرهم.

فحين تأملت الكلمات… أصابتني الدهشة من دقتها السياسية بما يتجاوز الغزل والحب…
أما حين استمعت إلى المقطع الذي يقول “جلست والخوف بعينيها تتأمل فنجاني المقلوب” ثم:
بـصرت ونجـمت كثـــــــــــــــــــــــــيراً لكني لم أقرأ أبـــــــــــــــــــــــــداً
فنجاناً يشبـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــه فنـــــــــــــــــــــــــجانك
بصرت ونجـمت كثـــــــــــــــــــــــــيراً لكني لم أعرف أبــــــــــــــــــــــداً
أحـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــز اناً تشـــــــــــــــبه أحـــــــــــــــــزانك
فقد شعرت أنه يصف وبدقة عالية حال أبو محمد الجولاني وأبو مالك التلّي.
وحين وصلت إلى مقطع:
مقدورك أن تمضي أبــــــــــــــــــــــــدا فـي بـحر الحب بغيـر قلـــــــــــوع
وتكـــــــــــــــــون حــــــــــــياتك طـــــــول العمــــــر كتاب دمــــــــــوع
مقدورك أن تبقى مسجــــــــــــــــــــوناً بيــن المـاء وبيـن النـــــــــــــــــــار
لا أدري لماذا حضرت هكذا فجأة الباصات الخضراء وهي تحمل بقايا “الثوار” من حلب والغوطة وحمص وحي الوعر والزبداني وجرود عرسال ووادي حميد في لبنان كما تحمل الشاحنات الأتربة وتلقي بها في مكان مهجور.
أما مقطع:
بحياتك يا ولد امرأة سبحان المعبــــــــــــــــــود .. فمهــا مـرسـوم كـالـعنقـــــــــــود
ضحكتها أنـــــــــــــــــــــــــغام وورود .. والشـعر الـغجري المـجنـــــــــــون
يسافــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــر في كل الدنـــــــــــــــــــــــــــــــــيا
فكأني به يخاطب دمشق، بشموخها وهيبتها وعنفوانها، دمشق الغافية في أحضان قاسيون، فيما تمتد شوارعها وأزقتها وحاراتها وأسواقها وأسوارها… بكامل جمالها العفي القصي العنيد… محرمة على كل مارق وعابر ولص وقواد…

وأمام دمشق هذه يأخذ المقطع التالي معناه المدهش بصورة محكمة، أي كل من حاول وتجاسر “أن يدخل حجرتها… يطلب يدها… يدنو من سور حديقتها… من حاول فك ضفائرها”… وكأني به يخاطب هنا كل قاتل ومجرم توهم بأنه قادر أن يمس ضفيرة دمشق… فيذكره عبد الحليم:
لـكن سمـاءك ممطـــــــــــــــــــــــــــــرة وطـــريقــــــــــــك مـســــــــدود
ده حبيبــــــــــــــــة قلبك نائمــــــــــــــــــــــة في قصـــــــــــــر مرصـــــود
من يدخل حجرتها من يطلــــــــب يدها من يدنــو سور حديقتــــــــــــــها
مــــــــــــــــن حــــــــاول فك ضفائــــــــــــــرها مفقــــــــــــــــــــــــــــود
ثم نصل إلى الخاتمة واللحظة الحاسمة… وكأني بعبد الحليم هنا وبدل أن تغمره الدموع كما يبدو للوهلة الأولى تخيلته يبتسم وكأنه يسدل الستار على “ثورة الوكسة” حيث تسقط عصابات الموت ومشغليهم ومموليهم بكامل رهاناتهم وأوهامهم وخيباتهم…. وهكذا تصل الحكاية إلى نهايتها:
وسترجع يوماً مهزوماً مكسور الوجدان .. وستعرف بعد رحيل العمـــــــــــــر
بأنك كنـــــــــــــــــــت تـــــــــــــــــــــطارد خيط دخان…
نعم هذا ما كان.. أي قسما بالله إنها مقاربة حلوة… ومع ذلك يمكن للعشاق أن يواصلوا الاستماع إلى الأغنية كما يريدون من باب الترفيه والتورية والمجاز.
في النهاية أتمنى للجميع ليلة هادئة… ممتعة ومضحكة على أنغام وكلمات “قارئة الفنجان” في قراءتها الجديدة.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل