تعليم الجنس في المدارس الألمانية، ماذا عن أولادنا ؟

تعرضت إحدى المعلمات في الولايات المتحدة الأمريكية للاستجواب من قِبل لجنة المعايير المهنية في ولاية Idaho لمجرد استخدامها تعبيرَ “المهبل” في إحدى المدارس، بينما في كوكبٍ آخرَ يُدعى ألمانيا أثار استخدام كتابٍ يحوي رسوماً توضيحيةً للواقيات الذكرية والنشوةِ الجنسية ومناقشةٌ جريئةٌ للعملية الجنسية حنقَ الأهالي وفقاً لموقع Spiegel الإخباري العالمي، حيث يصوِّر الكتابُ “من أين جئتَ؟” العلاقةَ الجنسية لعاشقينِ ألمانيين “لارس” و “ليزا”.

لأي درجةٍ من الصراحة بإمكاننا وصفُ الأعضاء التناسلية للأطفال وشرحُ الأشياء التي يحب الأزواج فعلها؟ أثبتت دراساتٌ حقيقيةٌ أنَّ خيالَ الطفلِ البالغ من العمر ست سنوات لايتعدى مجردَ رسومٍ تصويرية ولا يحتاج للدقةِ التشريحية الموجودة في كتاب “من أين جئتَ؟”.

أُجريت هذه الدراسةُ في عام 2012 وشملت الولاياتِ المتحدةَ، هولندا، انجلترا والسويد. لم يستطع الأطفالُ الأمريكيون تكوينَ فكرةٍ قريبةٍ للواقع حول فهمهم للعملية الجنسية، بل كانت تفسيراتهم كلُّها تدور حول قدرةِ الله في الخلق. قال أحد الصبية الأمريكيين: أعتقد أنَّ الأطفالَ من صُنعِ أبي وأمي ولكنّي لست متأكداً كيف يفعلون ذلك، ربما خلال وقتٍ خاصٍّ عندما يكونون وحدهم. وأوضح معدُّ الدراسةِ أنه في دولٍ أخرى كالسويد وهولندا، حيث يسودُ سلوكٌ منفتحٌ أكثرَ حول العملية الجنسية وإدراكٌ أكبر للحاجة إلى تثقيف الشباب، كانت معدلات استخدام موانعِ الحملِ من قبل الذكور والاناث أكبر ومعدلاتُ الحملِ والولادة والإجهاض بين المراهقاتِ أقل.

الكتابُ الذي نُشِر لأولِ مرةٍ في عام 1991 أُعيد نشره عامَ 2012 بنسخةٍ معدلةٍ تضمنت نصوصاً ورسوماً توضيحية أقل جرأة. التغيير الأكبر كان استبدال لارس وليزا بـ ماما وبابا، كما أنَّ استخدام الواقي الذكري لم يعد قضية، إلا ان الكتاب الجديد يحافظ على الشغف بين الشريكين مع الكثير من القلوب الكرتوينة وقبلات الاسكيمو.

إذاً كيف هو الوضع في المدارس الألمانية اليوم؟
من غير المستبعد أن تتعرض لـ “صدمة ثقافية” في ألمانيا، إلا أن بعض الأمور أكثر إحداثًا للصدمة من غيرها ومن بينها التثقيف المبكّر والمفصّل للأطفال حول الجنس في المدارس، كما أنّ مهمّة التثقيف تعتبر مهمّةً شعبيّة.
وافق المركز الفيدرالي للتثقيف الصحي (BZgA)، كمؤسسة حكومية، والسلطات الرسمية لـ16 ولاية فيدرالية على تطبيق التثقيف الجنسي في المدارس في ألمانيا وذلك بالتعاون مع المعاهد الاستشارية للعائلات الألمانية والمنظمات الأخرى التي تعمل في نفس المجال.

القيم التي انطلقوا منها كانت:
1- اعتبار الحياة الجنسية جزءًا طبيعيًا من تطور الإنسان وخلال كامل مراحله العمرية، ولذلك فإن التربية الجنسية تهمّ الجميع من كلّ الأعمار.
2- الناحية الماديّة (الفيزيائية): تهدف التربية الجنسية في ألمانيا إلى رفع الوعي بالقضايا المتعلقة بالتغيرات الجسمية خلال البلوغ ودورة التكاثر وفعالية وسائل منع الحمل المختلفة.
3- الناحية السلوكيّة: تهدف التربية الجنسية إلى تمكين عامة الناس (ومجموعات محددة على وجه الخصوص) من تطوير سلوكيات إيجابية تتعلق بالنفس وبالشريك فيما يخص حياتهم الجنسية. كما أنّها تعزّز تحديد الفرد لهويّته بنفسه متضمّناً قيمه ومنظوره الشخصي لحياته.
بذلك تمكّنوا من الربط بين الأهداف المتعلقة بإنقاص معدلات الأمراض المنقولة عبر الجنس والحمل غير المرغوب به مع المفهوم الأوسع لرخاء الانسان خلال دورة الحياة. أثبت هذا النهج فعاليته في العديد من المستويات، على سبيل المثال انخفضت نسبة حمل المراهقات في المانيا بمقدار النصف خلال العشر سنوات الأخيرة من 15000 في عام 2004 إلى 7500 في 2013.

الجهات الفاعلة في التربية الجنسيّة:
هناك عدة جهات فاعلة رئيسية في مختلف المستويات مسؤولة عن ضمان حصول جميع الموطنين بشكل كامل على المعلومات والاستشارة المناسبة فيما يتعلق بالحياة الجنسية، بما في ذلك المواضيع مثل الصحة الجنسية والتخطيط الأسري وغيرها الكثير. تتضمن هذه الجهات:
على المستوى الحكومي: تم تشكيل BZgA بموجب القانون لتقديم التربية الجنسية لمختلف المجموعات العمرية ونشر موادها بالمجان لعموم الناس والمختصّين كالمعلّمين ومراكز الاستشارة، وتعمل بشكل متّصل مع وزارتي الصحّة وشؤون العائلة.
على المستوى الفيدرالي : تطبق التربية الجنسية في المدارس في جميع أنحاء البلاد بموجب الدستور وتخضع لسلطة كل قانون اتحادي. حيث تختلف المواضيع التي يتم تضمينها ومواعيد البدء بالتربية الجنسية حسب وزارة التعليم والشؤون الثقافية لكل ولاية.
على مستوى المجتمع: يعمل عدد كبير من المنظمات الحكومية وغير الحكومية وبالتعاون مع أكثر من 1600 مركز استشاري بشكل فاعل في مجال التربية الجنسية والصحة الجنسية والانجابية.

تتعاون كل هذه الجهات فيما بينها بما يتيح الفرصة لتبادل الآراء ووجهات النظر. وعلى الرغم من تنوع هذه الجهات على اختلاف مستوياتها (واستقلالهم في عملهم الخاص) فإن هناك استيعاب مشترك لمبادئ التربية الجنسية في ألمانيا. إذ ينبغي للتربية الجنسية أن تشجع الأطفال والمراهقين لتطوير سلوك إيجابي تجاه الحياة الجنسية فضلا عن نظام للقيم يستند إلى مبادئ المساواة والتمكين واحترام النفس، كما تساهم التربية الجنسية في لتطوير مهارات حياتية لدى الشباب كمهارات التواصل وحل المشاكل. إن تطوير هذه السلوكيات والقيم والمهارات جنبا إلى جنب مع بقية العوامل يساعد على تأسيس حياة صحية للفرد البالغ.

من منظور بيئي، هناك الكثير من العوامل التي تؤثر على الحالة الصحيّة للفرد كالسلوك الفردي والمهارات والقيم السائدة في الأسرة والمجتمع فضلاً عن الجوانب السياسية والبنيوية، والتربية الجنسية هي إحدى هذه العوامل المؤثرة والتي توجه الأفراد في اتخاذ قرارات واعية حول حياتهم الجنسية.

متى يبدأ الأطفال بالتعلم حول الجنس؟
يختلف عمر البدء حسب الولاية ويبدأ من عمر الـ5 سنوات في برلين، بينما يتأخر البعض لفترة من الزمن حيث يبدؤون عند بلوغهم الصف الأول، لكن على العموم يبدأ الجميع بالدروس خلال 8-9 سنوات من العمر.

ماهي المعلومات التي يتم تزويد الأطفال بها؟
في العادة يتم تغطية كل المواضيع المتعلقة بالنمو والتغيرات الجسمية خلال البلوغ والمشاعر المتضمنة والعملية البيولوجية للتكاثر والنشاط الجنسي والشراكة والمثلية الجنسية والحمل غير المرغوب وتعقيدات الإجهاض ومخاطر العنف الجنسي وإدمان الأطفال والأمراض المنتقلة عبر الجنس. تعتبر الدروس وافية بشكل كاف وقد تتضمن في بعض الأحيان معلومات حول الوضعيات الجنسية والاستخدام الصحيح لمانعات الحمل. إن الفائدة المرجوة من تزويد الأطفال بهذه المعلومات هي ضمان بقاء معدلات حمل المراهقات منخفضة. من بين كل 1000 فتاة بعمر 15-19 سنة تحمل 16 فتاة في ألمانيا، بينما يكون هذا العدد في كينيا 103 فتيات !

إعداد مقدمة تعريفية:
تقوم بعض المدارس بدعوة الأهالي إلى المدرسة قبل المباشرة بالدروس، ويمكن للآباء السؤال حول أي شيء. قد تجري المعلمة درساً اختبارياً مع الآباء لتعرفهم حول كيفية إجراء أحد هذه الدروس. تسمح بعض المدارس للآباء بتقديم اقتراحاتهم حول المواضيع التي ينبغي تعليمها. في إحدى المدارس عندما حملت إحدى المدرسات وكان الأطفال فضوليين جداً حول الحمل وافق الآباء على بدء الدروس مبكراً.

تقول إحدى المعلمات المختصّات: ” في السنة الأولى تتمحور المواضيع حول بيولوجيا وآلية العملية الجنسية، حيث يتم تعليمهم الأسماء المناسبة لأجزاء الجسم واستخدامها لتسمية رسوم تصويرية لفتاة وشاب. كما يتم تعليمهم حول كيفية صنع الأطفال مدعمة بصندوق للاطفال يشرح بالصور كل شهر من الحمل باستخدام تقنيّات لائقة بريئة. الأطفال الأكبر عمراً (3-4 سنوات) تتم زيارتهم من قبل قابلة تتحاور وإياهم. يستمتع الأطفال جداً بهذه الزيارات وخصوصاً أولئك المقبلين على أن يصبح لديهم أخ أو أخت. تشرح لهم مايحدث أثناء الولادة (باستخدام لغة مناسبة لأعمارهم ومواد وأشكال توضيحية) وماهو دورها أثناء المخاض والولادة”.

ما هي نتائج التربية الجنسيّة في المدارس؟
أجرى المركز الفيدرالي للتثقيف الصحي BZgA دراسة “الحياة الجنسية للشباب” ثماني مرات بدءا من عام 1980 ، وتركزت بيانات الدراسة حول السلوك الجنسي وسلوكيات الشباب وتجاربهم مع التربية الجنسية. تتضمن الدراسة الحالية 5750 مراهقا من الذكور والإناث ذوي الأعمار 14- 25 سنة. أظهر تحليل البيانات أن التربية الجنسية الجيدة لاترتبط بممارسة الجنس مبكرا في المرة الأولى، وإنما ترتبط بدلا من ذلك بمستويات أعلى من المعرفة فيما يتعلق بالجوانب المادية للجنس والسلوك المسؤول عن منع الحمل والقدرة على التواصل بشكل منفتح ومنتج مع كلا الشريكين ومع الأهل حول الحياة الجنسية.

يتم الترويج للعمر والتنمية المناسبة للتواصل حول القضايا الجنسية داخل الأسرة على نطاق واسع كما أنها من الأمور التي تلقى قبولاً في المجتمع الألماني . ومع ذلك يشعر المراهقون ذوي الجنسية الالمانية بالراحة عند حديثهم مع والديهم عن النشاط الجنسي أكثر من أقرانهم من المهاجرين إلى ألمانيا. ويعتبر التواصل بشكل منفتح حول الحياة الجنسية من الأمور المهمة للمراهقين عند التعلم حول الجوانب المادية للحياة الجنسية.

وفي سبيل منع حالات الحمل غير المرغوب فيها والأمراض المنقولة جنسيا فإن استخدام مانعات الحمل (والواقيات بشكل خاص) يعتبر أمراً ضرورياً. يستخدم المراهقون الألمان ذوي الأعمار 14-17 اليوم الواقيات أكثر مما كان يفعل المراهقون قبل 35 سنة مضت. كما انخفضت أعداد المراهقات اللواتي لا يستخدمن مانعات الحمل بمعدل النصف منذ 1980. عموما في عام 2014 في ألمانيا فإن شخصا واحدا من بين عشرة شبان لايستخدم مانعا للحمل عند تجربة الجنس للمرة الأولى.

اليوم أغلبية الشبان الألمان خاضوا تجاربهم الجنسية الأولى مع شخص من نفس دائرتهم الاجتماعية واغلبهم يشعرون أنهم اختاروا التوقيت الصحيح لذلك. تظهر هذه الأمثلة من المانيا ان التربية الجنسية الجيدة تعتبر تدخلا فعالا خلال الحياة والتي تؤثر على صحة الفرد الجنسية والعامة على حد سواء. يمكن الحصول على الأثر الإيجابي عندما تعمل الجهات المسؤولة من مختلف مستويات المجتمع والحكومة معاً، وعندما يتم يتم تخصيص المعلومات المتعلقة بالحياة الجنسية ومنع الحمل من أجل تلبية الاحتياجات والمستويات التعليمية للمجموعات المستهدفة وعندما يمكن الوصول إليها بسهولة.
ختاماً، هل توافقون على تطبيق هكذا دروس في مدارسنا؟ وماهي سلبياتها وايجابيتها؟ شاركونا بآرائكم.

المصادر:

1 – هنا
2 – هنا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل