الشنكليش – جبنة الشرق الأوسط الزرقاء

كراتٌ شهيّةٌ مميزةُ الطعمِ والمنشأ.. شعورٌ ربيعيّ لذيذٌ في البداية وعطشٌ في النهاية، ونكهاتٌ وأنواعٌ مختلفة.. من منّا لا يعرف الشنكليش أو يحبّه؟ هل تساءلتُم يوماً عن تركيبه وطريقة تصنيعه؟ ماذا عن الأحياءِ الدقيقة التي تُساهم في إنتاجِهِ عبر تفاعلاتها العديدة؟ هل يمكن أن تكون تلك الأحياء سامّةَ!؟ هذا ما سنتحدث عنه في مقال اليوم..

من الصّعب أن نجدَ شخصاً لم يسمع بالشنكليش سابقاً، فهو منتجٌ اقتصاديّ هامٌ في الشرقِ الأوسط، ويعرف أيضاً باسم السوركي (وهي الشنكليش غيرُ الناضجِ)، ليّنُ الملمسِ، ومتوسط المذاق. ويصنّفُ الشنكليش كأحدِ أنواعِ الجبنة المُشتقّةِ من حليبِ الأغنامِ أو الأبقارِ أو الماعز، ويُنتجُ بشكلٍ رئيسيّ في سوريا ولبنان، كما يُصنع في فلسطينَ ومصرَ وتركيا، مع اختلافاتٍ واضحةٍ بين الشنكليش السوريّ والمصريّ. تكثرُ صناعةُ الشنكليش بشكلٍ عامٍ في المناطقِ ذاتِ المناخِ القاسي، وخاصةً تلكَ الجافةِ والجبليةِ القريبةِ من الساحل.

تصنيع الشنكليش:
يُنتجُ الشنكليش عبرَ عمليةِ تخثيرٍ حامضيةٍ مالحةٍ (نسبةُ الملح حوالي 2%) وذلك مروراً بالخطواتِ التالية:

يُبسترُ الحليب بهدفِ القضاءِ على قسمٍ كبيرٍ من الأحياء الدقيقة المتواجدةِ في الحليب الطازج، وذلكَ عبرَ تسخينِهِ إلى الدرجةِ 63 مئويةً لمدةِ نصف ساعة. وبعد أن تفتُرَ حرارةُ الحليب، يُضافُ إليه القليلُ من اللبنِ الرائب ويتركُ 3 ساعاتٍ يتحولُ خلالَها هو الآخر إلى لبنٍ رائب.
يُخضّ الحليبُ الرائب مع ضعفِ كميّتِه من الماء وتُفصل الزبدة عن العيران في آلةِ الخض التي يمكن أن تكون يدويةً أو آليةً، لتأتي هنا مرحلةُ “التقريش”، والتي تعدّ بدايةَ الطريق الذي سيودي بنا إلى منتجِنا المكوّر المحبّب، وفيها يُغلى العيرانُ مع بعضِ الملح على نارٍ هادئةٍ للحفاظِ على جودةِ الجبنة الحامضية وفصلِها عن المصل، وتعرف هذه الجبنة الحامضية باسم القريشةِ أو جبن القريش. وما أن يبدأ الغليان حتى تُرفع القريشةُ عن النار وتتركُ لتبرد، فترقدُ وتنفصلُ عن المصل ثمّ تُلفّ بقماشةٍ نظيفة وتُضغط للتخلص من أكبر كميةٍ من الماء، وهو الهدفُ ذاتُه الذي تجري من أجلِه عملية التمليح. وفي اليوم التالي، نكون قد حصلنا على منتجٍ جافٍ يسميهِ البعض بالشنكليش الأخضر أو النيء.

وهنا تُتابعُ أمهاتنا عادةً عمليةَ التمليحِ وإضافةَ الفلفل بكمياتٍ معتدلةٍ، فقلّة التمليح ستُسبّب تعفّنَ الشنكليش وكثرتُهُ تعطي طعما مراً غيرَ مرغوب. ولا بدّ أن العديد منّا قد شهِدوا هذه المراحلَ في منازلِهم، إذ تجتمعُ بعد هذه العمليات الأيدي لتعملَ على تكويرِ الشنكليش على شكلِ كراتٍ قطرها 4-6 سم، ثمّ تُشمّس على صوانٍ مغطاةٍ باستمرار بقماشٍ نظيف حتى تمام الجفاف، وفي غضون ثلاثةِ أيام يكون الشنكليشُ قد جفّ تماماً، ويسمى هنا بالشنكليشِ اليابسِ أو السوركي.
يُحفظ الشنكليش اليابسُ عادةً في جرّاتٍ أو أكياسٍ أو أوعيةٍ بلاستيكية وتوضعُ في مكانٍ دافئٍ لتهيئةِ المناخ الملائم لنموِ فطور العفن الزرقاء والخضراء Blue green molds التي تشكّلُ تلك الطبقة الخارجية المميزةَ للكرات الجافة.

يُغسل الشنكليش وتُزال تلك الطبقة الناتجة عن نمو العفن ثمّ يُغلّفُ أو يُحفظ بزيتِ الزيتون كي نستمتع بمذاقِه الشهيّ لمدة تدوم عاماً كاملاً، ولأن المدن السورية عوّدتنا على تميّزها وتفرّد كل منها بعادات خاصّة، فإننا نجد تلك الكرات مغطّاةً بالفلفل في حلب، وبالزعترِ البري الجاف أو مزيج من التوابل أو الزعتر في الساحل السوري. كما يُضاف اليانسون أحياناً إلى هذا المزيج المتكامل من النكهات الشهية، وتعتبر تغطيتُهُ بمسحوقِ الفلفل الحار ذات شعبيةٍ خاصةٍ في سوريا معطيةً إياها لوناً أحمرَ محبباً.

أصبحَ بإمكانكم الآن أن تستمتعوا بالشنكليش مع قطعٍ صغيرةٍ من البصلِ والطماطمِ والسلطات والبصل الأخضر، فيُطلقُ عليه اسم الشعفورة أو الشعيفورة.

لماذا إذاً يختلفُ تركيب الشنكليش من منزلٍ أو مكانٍ لآخر؟

نظراً لما ينمو على الشنكليش من أعفان زرقاء وخضراء، فإنّه يعدّ من أنواعِ الجبن الأزرق والأخضر Blue-green cheese ومثلُه أجبانُ دولشيلاتِه Dolcelatte وغورغونزولا Gorgonzola الإيطاليّة، خاصةً وأنه من الأنواع التي تقسو أثناءَ عمليةِ النضج. وبالطبعِ فإن نكهةَ وملمسَ الشنكليش يختلِفان باختلاف طريقةِ التصنيع ونوعيةِ الحليب المستخدمة. ومن الجدير بالذكر أن الحليب الرائبَ المغلي أكثرَ من اللازم سيعطي شنكليشاً مفتّتاً، في حين يسبّب ارتفاعُ محتوى الدسم طعماً زنخاً غيرَ مرغوب للمستهلك، وعلى الرّغم من ذلك يبقى الحليب مسحوب الدسم Skimmed milk غير مرغوبٍ لصناعةِ الشنكليش مقارنةً بالحليبِ الرائب Buttermilk.

حسناً إن كان الشنكليش سيحظى بنموّ تلك الأعفان ونشاطِها على سطحِه، فلنتعرّف معاً على مايكروبيولوجيا الشنكليش:أصبح من الواضح لدينا أن نمو العفنِ عنصرٌ رئيسيٌ في صناعةِ الشنكليش، فبدون نشاطِه على مكونات الشنكليش لن ينتج لدينا ذلك الطعم الساحر الذي يجعلنا نستمرّ بطلبِ المزيد!
ولكن القصص السعيدة لا تخلو من بعضِ الصعوبات والعثَرات، فقد أشارت بعضُ الدراسات إلى إمكانيةِ وجودِ سمومٍ في الشنكليش ناتجةٍ عن فطور الأعفان هذه، وخاصةً ما يُعرف بالأفلاتوكسين Aflatoxins، علماً أن الجنسَ الفطري الأساسي في الشنكليش يتبع عائلةَ الرشاشيات ويُسمّى Aspergillus . وقد وجّهت لوائحُ إدارة الأغذية والدواء الأمريكية USA FDA نحو ضرورةِ الحدّ من هذه الأفلاتوكسينات عند الرغبةِ بتصدير هذا المنتج الوطنيّ الهام، ويعدّ تقليل رطوبةِ الشنكليش من أهم الوسائل الكفيلةِ بتحقيق ذلك

وأخيراً، لأولئك المستعدّين للتضحية ليوم من أيامِ حميتِهم الغذائية وتناولْ بضعةِ كراتٍ شهيةٍ، علينا أن نُذكّركم بالتركيبَ الغذائي للشنكليش، وهو كما يظهر في الجدول التالي:

ترقّبوا مزيداً من المقالات حول أطعمتنا الأكثرِ شهرةً وحتى ذلك الوقت، تمتّعوا بكرةٍ أو اثنتين من الشنكليش واستمتعوا بهذا الطعام الربيعيّ التقليدي.

المصادر:
1. هنا
2. Hilali، M.، El-Mayda، E.، & Rischkowsky، B. (2011). Characteristics and utilization of sheep and goat milk in the Middle East. Small Ruminant Research، 101(1)، pp. 92-101.
هنا

3. Salameh، C.، Banon، S.، Hosri، C.، & Scher، J. (2016). An overview of recent studies on the main traditional fermented milks and white cheeses in the Mediterranean region. Food Reviews International، 32(3)، pp. 256-279.
هنا

الدراسات المرجعية:
1. Hilali، M.، El-Mayda، E.، & Rischkowsky، B. (2011). Characteristics and utilization of sheep and goat milk in the Middle East. Small Ruminant Research، 101(1)، pp. 92-101.
2. Salameh، C.، Banon، S.، Hosri، C.، & Scher، J. (2016). An overview of recent studies on the main traditional fermented milks and white cheeses in the Mediterranean region. Food Reviews International، 32(3)، pp. 256-279.
3. El Balaa، R.، Marie، M.، 2008. Sustainability of the Lebanese small ruminant dairy products supply chain. In: 8th European IFSA Symposium، Clermont-Ferrand، France، pp. 255–265.
4. Wurzinger، M.، Iniguez، ˜ L.، Zaklouta، M.، Hilali، M.، SNlkner، J.، 2008. The Syrian Jabali goat and its production system. J. Arid Environ. 72، 384–391.
5. Hilali، M.، Iniguez، ˜ L.، Zaklouta، M.، 2006. Improving value addition: simple technological changes in the processing of milk in northern Syria. In: EAAP Annual Meeting، Antalya، Turkey، p. 207.
6. Chandan، R.C.، 2006. History and consumption trends. In: Chandan، R.C. (Ed.)، Manufacturing Yogurt and Fermented Milks. Blackwell Publishing، Iowa، USA، pp. 3–15.
7. Abu Ghyda، T.، 2007. Inventory Products Potentially Eligible for PDOs and PGIs in Lebanon. Ministry of Economy and Trade، Beirut، Lebanon.
8. El-Sayed، U.M.، 2007. Identifying the Ideal Conditions for Producing Syrian Shanklish from Buttermilk. Thesis. Damascus University، Damascus، Syria
9. Chandan، R.C.، 2006. History and consumption trends. In: Chandan، R.C. (Ed.)، Manufacturing Yogurt and Fermented Milks. Blackwell Publishing، Iowa، USA، pp. 3–15.
10. El Mayda، E.، 2007. Manufacture of local cheese from raw milk in Syria. In: Litoplou Tzanetaki، E.، Tzanetatis، N.، Kourletaki Belibasaki، S. (Eds.)، Historical Cheeses of Countries around the Archipelago Mediterraneo. Thessaloniki، Greece، pp. 55–64

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. ستكون موافقتك افتراضية من خلال موقعنا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول اقرأ المزيد

عاجــــــل